محمد العربي الخطابي
306
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
وأما استخراجهم قواها واستنباطهم درجها من قبل الروائح فما كان منها ينفذ في الدّماغ بسرعة عند الشمّ ويصدّع غاية الصّداع ويلهب الدماغ فذاك عندهم في الدرجة الرابعة من الحرّ وبالضدّ في الأولى ، وما بينهما إما قريب من الأولى ففي الثانية ، وإما قريب من الرابعة ففي الثالثة ، وما يسبت عند الشمّ ويخدّر الحواسّ وينوّم نوما ثقيلا ويولّد سباتا فذلك عندهم في الدرجة الرابعة من البرد وبالضدّ في الأولى وما بينهما على نحو ما ذكرنا إما قريب من الأولى ففي الثانية وإما قريب من الرابعة ففي الثالثة . والمعتدل عندهم ، على هذا القياس ، هو ما ورد على اللسان ولم تنكره حاسّة الذوق ولا عمل فيها ولا جرد اللسان ولا فرّق بعض أجزائه على ما يفعله المرّ ولا يلسعه على ما يفعل الحرّيف ولا يولّد فيه حدّة على ما يفعله الحامض والمالح ، ولا يجمعه ولا يخشّنه على ما يفعله القابض ، والعفص في ذلك أقوى فعلا من القابض ، لكنّ المعتدل عندهم هو ما يرد على اللسان ولا يفعل فيه شيئا من هذه الأعراض المذكورة بل يكسبه ملاسة يسيرة ولذاذة قليلة . وقال بعض الأطبّاء : إن الطعام الحلو هو المعتدل لأنه ليس بحارّ فيفرّق أجزاء اللسان ولا ببارد فيجمعها ، ولكنه معتدل يكسبه ملاسة ولذاذة فقط . ومنهم من قال : إن الحلاوة الظاهرة دالّة على الحرارة ، وعلى قدر الحلاوة تكون الحرارة . ومنهم من قال : إن الدّسم من أنواع المعتدل ، لكنّه دون الحلو . وأما الوجه الثالث الذي هو أصحّ الوجوه وأوضحها وأثبتها فهو المأخوذ من تأثيرها وأفعالها في الأبدان المتعدلة ، لأنّ كلّ دواء وغذاء ورد على البدن المعتدل لا تخلو كيفيته من أن تؤثّر فيه في الغاية فيحكم على ذلك الدواء أو الغذاء أنّه من الدرجة الرابعة ، أو يؤثر فيه تأثيرا يحتاج معه إلى برهان فيحكم عليه أنه في الدرجة الأولى ، وما بينهما إما قريب من الأولى ففي الثانية وإما قريب من الرابعة ففي الثالثة فيحصل لكلّ كيفية مطلقة أربع درجات ، مثال ذلك : أنك تقول حارّ في الدرجة الأولى وحارّ في الدرجة الثانية وحارّ في الدرجة الثالثة وحارّ في الدرجة الرابعة فيحصل لكيفية الحرارة أربع درجات ، ولا نهاية بعدها ولا غاية وراءها ، لكن قسّمت الأوائل كلّ درجة من هذه الدرجات على ثلاثة أقسام ، وذلك أنه حارّ في أوّل الدرجة الأولى وحارّ في آخرها وحارّ في وسطها وفي سائر الكيفيات كذلك ، وذلك على الترتيب والمجازفة لا على التّحقيق والبرهان لأن